الفرق بين الكتابة الأكاديمية بالعربية والإنجليزية أعمق من المفردات.
Waraq · 13 يوليو 2026 · الكتابة بالإنجليزية
الفرق بين الكتابة الأكاديمية العربية والإنجليزية ليس فرق مفردات ولا قواعد، بل فرق بنية. البلاغة العربية تكافئ الجملة الطويلة والتمهيد المتدرج والتكرار الذي يرسّخ المعنى، بينما تكافئ الكتابة العلمية الإنجليزية الجملة القصيرة والفقرة ذات الفكرة الواحدة والوصول المباشر إلى النقطة. لهذا قد يكتب الباحث العربي نصاً إنجليزياً سليماً نحوياً، ثم يقرأ في تقرير المحكم أن لغته تحتاج مراجعة، والمشكلة الحقيقية ليست في اللغة بل في العادات.
هذه ليست دعوة إلى هجر أسلوبك العربي، ولا حكماً بأن تقليداً أرقى من الآخر. هما نظامان مختلفان لتنظيم الأفكار، نشأ كل منهما ليخدم قارئاً مختلفاً. ومن يفهم منطق كل نظام يتنقل بينهما بوعي، بدل أن يكتب بالإنجليزية وهو يحتكم إلى قوانين العربية.
تقليدان كتابيان نشآ في بيئتين مختلفتين
النثر العربي الفصيح تشكّل في بيئة تقدّر الخطابة والأدب، حيث كان جمال العبارة جزءاً من قوة الحجة نفسها. أما الكتابة العلمية الإنجليزية الحديثة فصاغتها بيئة النشر المحكّم، حيث القارئ محكم مشغول يقرأ مخطوطتك ليقرر، لا ليستمتع.
في التقليد الأول، الإطالة ليست عيباً. الكاتب يبني مقاماً قبل أن يقول مقالته، ويستعرض السياق قبل أن يطرح الفكرة، والقارئ يمنحه صبره لأن الطريق نفسها ممتعة. في التقليد الثاني تنقلب المعادلة: كل جملة لا تخدم السؤال البحثي تُحسب على الكاتب، وكل تمهيد يؤخر النتيجة يستنزف رصيده عند القارئ. المحكم يقرأ ليتحقق. هذا كل شيء.
حين تدرك أن كل تقليد يكافئ سلوكاً مختلفاً، تتوقف ملاحظات المحكمين على لغتك عن كونها لغزاً. هم لا يقيسون جمال نثرك، بل سرعة وصولهم إلى المعنى.
كيف تُبنى الفقرة في كل تقليد؟
الفقرة العلمية الإنجليزية وحدة حجاجية واحدة: جملة أولى تعلن الفكرة، ثم أدلة تدعمها، ثم جسر إلى الفقرة التالية. الفقرة العربية كثيراً ما تكون وحدة إيقاعية تتدرج من العام إلى الخاص، فلا تبلغ فكرتها إلا قرب نهايتها.
هذا الفرق وحده يفسر أكثر الملاحظات تكراراً في تقارير التحكيم على مخطوطات الباحثين العرب. المحكم يقرأ أول سطرين من الفقرة بحثاً عن الفكرة، فإذا وجد مكانها تمهيداً تاريخياً أو سياقاً عاماً وصف الفقرة بأنها مشتتة أو مفككة. الفقرة نفسها قد تكون سليمة تماماً بمعايير العربية. لكن القارئ الإنجليزي تدرّب على أن يجد الخلاصة أولاً والتفصيل بعدها، فإذا انعكس الترتيب ظن أن الكاتب لا يعرف ما يريد قوله.
جرّب اختباراً بسيطاً على قسم النقاش في مخطوطتك: اقرأ الجملة الأولى من كل فقرة وتجاهل الباقي. إن روت هذه الجمل وحدها قصة القسم كاملة، فبناؤك إنجليزي. وإن لم تفهم منها شيئاً حتى تعود إلى أواخر الفقرات، فأنت تكتب فقرات عربية بحروف لاتينية.
لماذا تبدو الجملة العربية المترجمة مرهقة بالإنجليزية؟
لأن الجملة العربية تنمو بالعطف: تضيف معنى فوق معنى بواو وفاء وثم وحيث، وتظل صحيحة ومقروءة وإن امتدت أسطراً. الإنجليزية لا تحتمل هذا البناء، فالجملة المنقولة حرفياً تتجاوز الأربعين كلمة بسهولة، وهناك تنكسر.
هذا الحد ليس ذوقاً شخصياً. قاعدة style.sentence.length في مكتبة القواعد التي يفحص بها ورق المخطوطات تنص حرفياً: «Sentences over ~40 words are hard to parse; consider splitting»، أي أن الجمل التي تتجاوز نحو أربعين كلمة يصعب تحليلها وينبغي التفكير في تقسيمها. الجملة العربية الرصينة تبلغ هذا الحد قبل أن تكتمل فكرتها الثانية.
والعلاج يبدأ من حروف العطف، لا من مقص عشوائي: كل واو تصل بين فكرتين مستقلتين هي نقطة مرشحة لأن تصبح نقطة فعلاً. والجملة القصيرة بعد الطويلة هي الإيقاع الطبيعي للنثر العلمي الإنجليزي، لا خللاً في يدك. أما نقل الجمل المعطوفة كما هي فواحد من أخطاء الترجمة الحرفية التي تفضح البحث أمام المحكمين، لأن القارئ يشعر فوراً بأن النص فُكّر فيه بلغة أخرى.
التكرار البلاغي أم الحشو؟
ما يقرؤه القارئ العربي توكيداً يقرؤه المحرر الإنجليزي حشواً. الترادف التوكيدي، مثل «دقيق ومحكم» و«التطوير والتحسين»، أسلوب راسخ في العربية، لكنه في النثر العلمي الإنجليزي إشارة إلى أن الكاتب لا يثق بكلمته الأولى.
للتكرار في العربية وظيفة بلاغية حقيقية: يثبّت الفكرة في ذهن السامع ويضبط إيقاع العبارة. وفي الإنجليزية العلمية لكل كلمة وظيفة واحدة، فإذا وجد المحرر كلمتين تؤديان الوظيفة نفسها شطب إحداهما وعدّ الشطب تحسيناً. الأمر نفسه ينطبق على إعادة الفكرة في مطلع القسم وخاتمته: براعة ختام بالعربية، وتكرار يستوجب الحذف بالإنجليزية.
القاعدة العملية هنا قصيرة. إذا حذفت إحدى الكلمتين المترادفتين ولم يتغير المعنى، احذفها أنت قبل أن يفعلها المحرر بقلم أحمر.
هل المباشرة قلة تواضع علمي؟
لا. في التقليد العلمي الإنجليزي المباشرة احترام لوقت القارئ، والتواضع له موضع محدد هو مضمون الاستنتاج، لا طول الطريق إليه.
الكاتب العربي يميل إلى تلطيف الادعاء بطبقات من التمهيد: «لعل من المفيد الإشارة إلى»، «لا يخفى على القارئ أن». هذه الصيغ في سياقها العربي أدب علمي مستحب. لكنها حين تُنقل إلى الإنجليزية تُقرأ تردداً، وكأن الكاتب يعتذر عن فكرته قبل أن يقولها. والمفارقة أن الإنجليزية العلمية تتحوط أيضاً، غير أنها تتحوط في موضع واحد: تكتب The results suggest بدل prove حين يكون الدليل غير قاطع، ثم تقول ما تريد قوله في جملة مباشرة. التحفظ في قوة الادعاء، والوضوح في عرضه.
ما الذي تحتفظ به من أسلوبك العربي وما الذي تتركه؟
تحتفظ بحس الانتقال والبناء المتدرج للحجة على مستوى الأقسام، وتترك التمهيد الطويل والترادف التوكيدي والجملة الممتدة على مستوى الفقرة والجملة.
الكاتب المتمرس بالعربية يدخل الإنجليزية بميزة لا يملكها كثيرون: أذن مدربة على الإيقاع، وإحساس بأن الأفكار تحتاج جسوراً لا قفزات. هاتان المهارتان تنتقلان كما هما، فالورقة الإنجليزية الجيدة تُبنى هي الأخرى بناء متدرجاً، من السؤال إلى المنهج إلى النتيجة. الذي لا ينتقل هو وحدة القياس: وحدة المعنى بالعربية هي الجملة الممتدة والفقرة المتدرجة، ووحدتها بالإنجليزية هي الجملة القصيرة والفقرة ذات الفكرة الواحدة.
عملياً، ابدأ من حيث تنتهي المشكلة لا من حيث تظهر. اكتب بالإنجليزية من أول سطر بدل أن تكتب بالعربية ثم تترجم، وهو ما تفصّله خطة كتابة البحث بالإنجليزية وأنت تفكر بالعربية. ثم خصص للبنية جولة مراجعة مستقلة قبل التقديم، تفحص فيها أوائل الفقرات وأطوال الجمل قبل أي تدقيق نحوي، كما في خطة المراجعة من ثلاث جولات.
عاداتك القديمة لا تفشل لأنها رديئة. تفشل لأنها قوانين ملعب آخر، وضعت لقارئ يمنحك وقته لا لقارئ يحاسبك عليه. تعلّم متى تلعب بكل قانون، وستكتشف أن إتقانك للعربية كان طوال الوقت رصيداً، لا عبئاً.